المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : فقدان..


أنين الريح
10-08-2008, 10:14 AM
ومن السهل كنت أظن أن القلب الذي اختلج بحنين مخلوط بدهشة اللقاء، لاشك سيعين الذاكرة على ترتيب مشاهدها ، لتنقل لي أخبار طفولة كامنة ..
أنقل الخطى بين الدروب الملوثة الضيقة ، فيطالعني المكان بكل تفاصيله : قصر مهجور ، عبثت أصابع الزمان بزهرة شبابه ، فأضحى يبابا ، تؤوبه الأشباح والغربان .. وعلى مشارف الذاكرة ، كانت تقف سهام بكل عبثها وأخطائها الصغيرة .. كنت في الماضي ألتد بهفواتها ، لكن ذاك الخطأ كان طعنة باهظة ، كنت أحاول أطرد ذكراها عن ذهني ، لكنها كانت تلتصق دون عناء...
تنهض ذكرياتي من غفوتها متدفقة ، أحاول أن أضبط تفاصيل صغيرة تنط من الداخل ، لم اكن ألقي لها بال ، لكنها كانت تتلون بإقاعات مختلفة ، كأنما تنعكس على مرايا عديدة مكسورة ، كانت ملامح الغرفة الضيقة تزداد وضوحا ، الباب الصغير المهترئ ، وجه المرأة بارد الملامح ، وصورة الموت التي انطبعت على صفحة الذهن بوضوح..
في آخر مرة رأيتها ، كانت هادئة،كأنها قد اقتنعت بانفصال الحبل السري بيننا ،بانتهاء كل شيء، وأنه لامناص من مواجهة الحقيقة .. كنت على الرغم من فورة الغضب أصطنع الهدوء ، وأحاول أن أبدو كقطعة ثلج .. قلت لها باقتضاب ،أن مابيننا انتهى ، سلمتها كل الرسائل والصور ، وتسلمت بدوري كل شيء..
تتوالى الأ**ة والدروب ، بعفوية أرسل بصري بين المنازل المتآكلة ، تلاحقني تفاصيل أيام ،كانت فيها دروب هذا القصر مسرحا لطفولتنا الهادرة ، كنا نستيقظ قبل الفجر ، لنغير على اللحظات الباقية من عمر الليل ، دون أن نعبأ بأذهاننا المعبأة بالخيالات والأشباح ، جدتي عادة تنتظرني عند الباب لتعاتبني بجفاء، أستسلم لحجرها ، فيذوب العتاب، عندها أساعدها في تحرير دجاجاتها من الأسر ..
جدتي كانت شاحبة ، وجهها متغضن ، وشعر رأسها يشبه شعيرات الزعفران، رجلاها مقوستان ، كعلامة المرور ، لكنني رغم ذلك ، كنت أحبها ،وذلك الصباح لم تعاتبني جدتي ، ولم تضعني في حجرها ، كالمعتاد ، ولم تحرر دجاجاتها من الأسر ..
بالكاد كانت تبتسم لي بشحوب زائد،وكانت قطع الصوف متناثرة على الأرض ، وحين انغمست رجلاي الصغيرتان في الماء المخلوط بالتراب ، ورأيت وجه المرأة البارد ، أحسست برعشة تتسرب الى الفؤاد..
أخطو داخل ال**اق الأخير ، هناك بالضبط ، حيث يقبع بيتنا القديم ، تذكرت آخر لقاء بيننا : تسلمت رسائلها وصورها ، وحين اختفى وقع حذائها المخلوط بنشيج خافت ، جاهدت طويلا لتكتمه ، انصرفت الى عملي بهدوء مصطنع ، لكن داخلي كان عاصفا ..
هناك بالضبط ، شاهدت كل تفاصيل المشهد : الجدار نفسه ، الا من بعض الشحوب ، أعشاش الطيور في أماكنها ، الظلمة الباهتة التي تغشى ال**اق، نتف الضوء المتسرب من سقف آيل للسقوط ، ورائحة الروث المنفلتة من قبضة الزمن ....
أدفع الباب المتهالك ، فأسمع صريرا مميزا .. بخطوة أجدني داخل باحة الدار ، في الزاوية اليسرى بالضبط ، اعتادت جدتي أن تجلس ، تقدم الأوامر ، وتطرد الدجاجات بين الفينة والأخرى .. وذلك الصباح ، كانت الدجاجات في أسرها دون حراك ، غرفة جدتي كانت بركة ماء ، كانت المرأة الباردة تمسك بقطع الصوف ، لتغسل الجسد المسجى ..
وكان نحيب المعزيات يملأ باحة الدار ...
...............
..............
رائعة من روائع عبد العزيز الراشدي ،،
ذلك الشخص الذي يسرقني دائما الى حيث يقبع بين ذكرياته وقصصه ...

قمر نجد
10-09-2008, 07:41 AM
يعطيك العاافيه خيتووو انين


دمتي متميزة

حطام رجل
10-09-2008, 04:35 PM
قصة جميلة جدا
شكرا لك

ســــــــــــام
10-09-2008, 06:52 PM
يعطيك العافيه اختي

تقبلي تحيتي

....

خلاصة الكلام
10-09-2008, 11:33 PM
أدفع الباب المتهالك ، فأسمع صريرا مميزا .. بخطوة أجدني داخل باحة الدار ، في الزاوية اليسرى بالضبط ، اعتادت جدتي أن تجلس ، تقدم الأوامر ، وتطرد الدجاجات بين الفينة والأخرى .. وذلك الصباح ، كانت الدجاجات في أسرها دون حراك ، غرفة جدتي كانت بركة ماء ، كانت المرأة الباردة تمسك بقطع الصوف ، لتغسل الجسد المسجى ..
وكان نحيب المعزيات يملأ باحة الدار ...

أنين الريح ..

يعطيك العافية ..
اختيار ونقل جميلين ..


تقبلي تواجدي

أنين الريح
10-10-2008, 09:12 AM
(( قمري الغالي ))..
أسعدني جدا مرورك على القصة..
لك خالص ودي..

أنين الريح
10-10-2008, 09:14 AM
(( حطام ))..
أنست صفحتي بتواجدكم..
لك شكري..

أنين الريح
10-10-2008, 09:16 AM
((ســـــام ))
رائعتي مرور كهب النسيم ..
لك خالص ودي..

أنين الريح
10-10-2008, 09:18 AM
مشرفنا القدير (( خلاصة الكلام ))
تواجد أضفى على الصفحة رونقا خاصا..
أشكر هذا التواجد..