خلاصة الكلام
11-24-2008, 06:27 AM
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
( حكاياتٌ .. ليلية )
الليلةُ الثالثة ..
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا "محمد" وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .. أما بعد :
( شمعةٌ .. وشمعدانٌ .. وظلام ! )
سادَ الصمتُ ..
وزحفت خيوطهُ على لوحةِ المكان ..
حتى شكَّلت ألوانًا ..
صبغتِ الأركان ..
هناك ..
في تلك الغرفةِ الصغيرة ..
والتي توسطت جدارها الغربي ..
تلك النافذةُ المربعة ..
ذاتُ الإطارِ العريض ..
والزوايا الدائرية ..
تلك النافذة ..
التي تدفقت منها .. أشعةُ الغروبِ الضئيلة ..
ومقابل بابها الصغير ..
استقر في بدايةِ الغرفة ..
مائدةٌ مستطيلة ..
وعليها ..
انتصبَ شمعدانٌ نحاسيٌ .. عريقُ الطراز ..
وفي مقابله ..
استلقت شمعةٌ طويلةٌ بيضاء ..
كان منظرًا جميلاً .. غير معتادٍ ..
فقد اعتادت الموائدُ .. حملَ الشمعدان ..
حاضنَ الشموعِ ..
لا تاركها .. ومجافيها ..
ورغم هذا ..
فقد حملت تلك المائدة ..
ذبذباتٍ لكلامٍ .. دارَ فيما بين "شمعدان" .. و"شمعة" ..
فبعد زفرةٍ اختلطت فيها آهاتُ حريقِ صدره .. بصليلِ جسدهِ النحاسي ..
قال "شمعدان" :
ــ أخبريني يا "شمعة" .. أما زال بكِ على هجريَّ .. قوة ؟!
تنهدت "شمعة" وهي تخللُ بأناملٍ ــ بدأت تذوبُ مع مرورِ الزمان ــ رقيقةٍ، فتيلتها المنسدلة على عنقها الطويل؛ قائلةً :
ــ أوه يا "شمعدان" !
أتسألني وأنتَ هاجري ؟!
عشتُ عمرًا طويلاً، أنتظرُ أن أعود إلى مكاني في قلبك .. أنتظرُ أن أصبح وإياك جسدًا واحدًا مدى عمري !
وكنت أنت من يصدني عنك .. رغم كثرتِ حديثك عن حبي ورغبتك في وصلي !
تطلع "شمعدان" إلى سقف الغرفة .. وقال :
ــ ما كنتُ لأهجركِ يا حبيبتي .. بل وكيف أفعل ؟
إنما أنا شغلتُ في الأيام الماضية و ..
قاطعته "شمعة" ساخرةً :
ــ انشغلت ؟ ها ها !!
لا أدري لماذا يكون انشغالك دائمًا .. مع شمعاتٍ غيري ؟!
ولا أدري لماذا لا تلتزمُ مع إحداهن بوصلٍ دائم ؟
انتفض "شمعدان" قبل أن ينحني مع صليلٍ عالٍ يصُمُّ الآذان ..
ثم رفع إحدى قدميه الثقيلتين بيديه معًا، قبل أن يتركها لتسقطَ على سطحِ المائدة، لتعلن هزَّها بدويٍ عالٍ، ليبدأ رحلةَ الاقتراب من "شمعة" .. قبل أن يقول وهو على حالهِ تلك من الحركة :
ــ اغفري يا "شمعةُ" لي .. واصفحي عني .. فإني أريدُ الآن معكِ لقاءًا لا نهاية له !
رفعت "شمعة" عنقها عن سطح المائدة، وقالت وهي تتطلع إليه :
ــ لكأنما قد سمعتُ منك هذه الجملةَ كثيرًا !
لقد قلتها لي بعد كل مرةٍ كنتَ تجرحني فيها .. وتسيء إليَّ .. وتهدرُ كرامتي ..
هل تظن يا "شمعدان" .. أنني سأبقى أنتظرك إلى الأبد ؟!
كلا .. لن أفعل ذلك يا "شمعدان" ..
ربما أن مكاني الحقيقي .. هو في ذلك العرش المُعدِ لي .. على رأسك ..
غير أنه لا قيمة لك مطلقًا .. دون وجودي عليه !
توقف "شمعدان" عن مواصلة رحلته .. ليقول وقد انعقد حاجباهُ غضبًا :
ــ أتريدين تكرار نفس الحديث الذي نتبادله في كل مرة ؟!
عجبًا لكِ يا امرأة !
أمجبرةٌ كل النساء على هذه الكلمات ؟!
يا "شمعة" .. إن لم أرفعك أنا .. فستبقين على هذه المائدة .. لا يراكِ أحد .. ولا ترين أنتِ أحدًا ..
ولربما غبتِ تحت ذراتٍ من رمالٍ تمتلئ بها الأجواء !
ولعلك اختنقتِ من ظلمةٍ لا تجدين دفعها ..
وأنا .. أنا وحدي بعد الله عز وجل .. من يستطيعُ أن يمنع عنك هذه النهاية !
ابتسمت "شمعة" ابتسامةً ساخرةً بطرف فمها .. قبل أن تزحفَ ( متمايعةً ) نحو "شمعدان"، حتى ظهرت تشققاتٍ على أنحاء جسدها .. لتقول :
ــ كعهدي بك يا "شمعدان" .. دائمًا ما تخضعُ لطغيانِ غرورك .. تظن أن لا أحد سواك في الكون !
ألم تعلم .. أن "شمعوم"؛ ذلك الشمعدانُ ذو الإثنى عشر حاملاً، قد أرسل إليَّ برُسلهِ وخاطبيه .. كي أقبل به، لأتنقَّل في حوامله المتعددة أنى شئت ؟
وأنت أيها المغرور .. تقولُ لي ما تقول !!
ألا تذكرُ يا "شمعدان" ..
كم من نداءٍ بذلته لأجلك ؟
كم من إشارةٍ أرسلتها إليك ؟
بل .. ألا تدرك حقيقة مصيرنا المشترك ؟
لا بد أن نكون معًا ..
وإلا فكيف سنواجه الظلام الذي يكتسح عالمنا ؟
يا "شمعدان" .. إن الشمس تدنوا للمغيب ..
ولا أريدُ أن يفصِلَ بيننا الغروب بأسوارٍ من ظلام ..
فالظلامُ إن تسلل بيننا يا "شمعدان" .. فلن يُزاح !
فلن يُزاح "يا شمعدان" ..
بسهولة ..
انتفض "شمعدان" منتبهًا .. وقال وهو يتطلعُ للنافذة :
ــ فعلاً .. إن الشمس في طريقها للغروب .. وأخشى أن يتداركنا الظلام .. وكلٌ منا بعيدٌ عن الآخر .. وحينها .. فلن تنفعكِ فتيلتك الطويلة .. ولن يزيدني حاملي الجميل نورًا !
أمالَ "شمعدان" حامله نحو "شمعة" قائلاً :
ــ والآن يا "شمعة" .. هلاَّ سارعتِ في القدوم نحوي ؟!
لا بد من أن أحملك على رأسي .. على حاملي هذا .. حتى ترتفعي عن المائدة .. لكي تضيئي لنا حينما تُشعلي فتيلتك .. هيا تعالي سريعًا .. هيا .. لنهزم الظلام !!
أردف "شمعدان" حديثه، بأن عاد ليحمل إحدى قدميه، ليرفعها عن سطح المائدة .. في رحلةِ اللقاءِ والوحدة مع "شمعة" ..
رحلة الاستعداد ..
لدفعِ غزو الظلام ..
لا شك أن البطء كان سمة الرحلة ..
وكيف يكون اللقاء سريعًا ..
وقد جاء قاصديِّه، زحفًا من جهة ..
وحملاً لأقدامٍ مشلولةٍ .. من جهةٍ أخرى ..
تنقلٌ بطيء .. واكبه انسحابٌ سريع لبقايا نورِ شمسٍ غاربة ..
واكتساحُ أمواجِ ظلامٍ عالية ..
ومع صليلِ جسده النحاسي، وجد "شمعدان" صعوبةً في حمل أقدامه المشلولة .. ونقلها ..
واحدةً تلو أخرى ..
ومع جسدها الشمعي القابل للتفكك والانتثار، وجدت "شمعةُ" نفسها مقيدةً في زحفها، على سطح مائدةٍ امتلئت بالأواني والملاعق والسكاكين ..
لتُشكل هضابًا أمامها وأوديةً وجبالاً ..
بدأت بقايا النور بالتلاشي .. وأصبحتِ الرؤية أصعب ..
وبدأت الحركة بالتثاقل .. وازداد التباطؤ ..
حتى ..أطبق الظلام ..
صرخت "شمعة" وقد تملكها الرعب والظلام يُحيط بها :
ــ يا "شمعدان" .. أين أنت ؟
لم أعد أرى شيئًا ..
أين أنت يا حبيبي ..
أجاب "شمعدان" بصوتٍ مضطربٍ متوتر :
ــ لا عليكِ يا شمعتي .. إني قادمٌ نحوك .. لا تدعي هذا الظلام يُثير رعبك .. إني قادم ..
وأظن أنه من الأفضل أن تواصلي الزحف نحوي .. دعينا نختصر الوقت يا حبيبتي ..
استمرت الحركة في لوحةٍ لا مثيل لها ..
اختلط فيها الظلام .. بظلالِ الأجسام ..
فشكَّل خلفيةً من سواد ..
لأمل اللقاء ..
ووسط حركتهما .. التي تعالى فيها هديرُ خطواتٍ نحاسية .. مع زحفٍ شمعي .. مع أصوات ارتطامٍ وسقوطٍ .. فتحطم ..
تواصلت رحلةُ البحث .. وما أصعبها من رحلةٍ .. تدور في الظلام ..
حتى لحظة ..
ارتطمت فيها "شمعة" بأقدام "شمعدان" .. والذي قال فرحًا :
ــ أخيرًا .. أخيرًا التقينا يا "شمعة" ..
هيا .. أسرعي .. أريد أن أرفعك إلى عرشك على رأسي .. أريد أن أضعك في الحامل الذي لا يليق بسواك .. حتى تضيئي لنا عالمنا .. هيا ..
انحنى "شمعدان" مادًا يديه، وصليل أضلاعه يسبقه نحو "شمعة"، والأخيرة ترفع عنقها، حتى أمسك "شمعدان" بوسطها ليرفعها نحو حامله، ولا شك أن وزن "شمعة"، وإرهاق "شمعدان" بعد رحلته السابقة، قد صعَّب من رفع "شمعة" .. بل منع "شمعدان" من الاحتفاظ بها بين يديه ..
لتسقط "شمعة" صارخةً ..
لتسقط مضعضعة الجسد على سطح المائدة ..
ليقول "شمعدان" جزعًا :
ــ أعتذر .. لم أقصد .. أتمنى أنني لم أؤذيك .. سأرفعك مجددًا ..
رجع "شمعدان" ليحمل "شمعة"، وليبدأ في رفعها، حتى إذا ما وصلت "شمعة" إلى الحامل .. قالت وهي تحاول حشر أقدامها فيه :
ــ يا "شمعدان" .. يبدو أن حاملك أصغرُ من أن يحتويني .. ما العمل ؟
رد "شمعدان" وقد تزايد العرق على جبينه جراء جهده في رفع "شمعة" :
ــ يا "شمعة" .. حاولي أن تدخلي جسدك بأي شكلٍ داخل الحامل .. لا وقت لدينا .. أسرعي ..
عادت "شمعة" للمحاولة، دون جدوى .. قبل أن يتفتق ذهنها عن فكرة ..
لتضع أقدامها في زاويةٍ حادةٍ من جسد "شمعدان" النحاسي، لتبرُد أطراف قدميها مع صرخةٍ عاليةٍ شقت الآفاق ..
انتفض "شمعدان" وأجزاءٌ من جسد "شمعة" ترتطم به .. وقال مرعوبًا :
ــ ما بكِ يا "شمعة" .. ماذا فعلتِ أيتها المجنونة ؟!
قالت "شمعة" ودموعها الشمعيةُ تنسابُ على وجنتيها :
ــ لن أسمح لشيءٍ أن يقف في طريقنا .. لا بد أن نكون جسدًا واحدًا .. للأبد .. لا بد ..
استمرت دموع "شمعة" في الانسكاب ثم التجمد، قبل أن تردف وهي تحاول الوقوف :
ــ سأقف الآن .. لا بد أن نهزم الظلام ..
وقفت "شمعة" وهي تشد فتيلتها للأعلى، وتُحسن الالتحام بـ"شمعدان"، لتكتمل الصورة ..
صورة .. "شمعةٍ" .. و"شمعدانٍ" .. وظلام ..
قالت "شمعة" بصوتٍ خافتٍ من بين آهاتِ الألم وأناتِ العناء :
ــ حمدًا لله يا "شمعدان" .. ها أنا قد وصلتُ .. وأنتظر أن تمد يدك لتشعل فتيلتي .. لينتهي كل هذا الظلام من حولنا ..
قال "شمعدان" سريعًا :
ــ شكرًا لك يا "شمعة" على ما قمتِ به لإزاحة الظلام .. لكن ..
كيف أشعل فتيلتك ؟؟
ألا تستطيعين أن تشعليها بنفسك ؟
قالت "شمعة" مضطربةً :
ــ كلا .. لا أستطيع .. ألا يمكنك أنت ؟
رد "شمعدان" وهو ينتفض جزعًا متحركًا حول نفسه بقوة، وصليل أطرافه يتعالى :
ــ كلا لا يمكنني أنا أيضًا .. لا بد من أن ..
لا بد من أن تضم وحدتنا لتؤتي نتاجها ..
ذلك الصغير ..
أعني ..
أعني "عود الثقاب" ..
ولا يوجد معنا يا "شمعة" على سطح هذه المائدة .. عودًا واحدًا ..
نردُ به الظلام !
( تمت بحمد الله ) .
"إبراهيم النشمي" .. "الرياض" ..
يوم الجمعة
23/11/1429 هجرية، الموافق 21/11/2008 ميلادية .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
( حكاياتٌ .. ليلية )
الليلةُ الثالثة ..
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا "محمد" وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين .. أما بعد :
( شمعةٌ .. وشمعدانٌ .. وظلام ! )
سادَ الصمتُ ..
وزحفت خيوطهُ على لوحةِ المكان ..
حتى شكَّلت ألوانًا ..
صبغتِ الأركان ..
هناك ..
في تلك الغرفةِ الصغيرة ..
والتي توسطت جدارها الغربي ..
تلك النافذةُ المربعة ..
ذاتُ الإطارِ العريض ..
والزوايا الدائرية ..
تلك النافذة ..
التي تدفقت منها .. أشعةُ الغروبِ الضئيلة ..
ومقابل بابها الصغير ..
استقر في بدايةِ الغرفة ..
مائدةٌ مستطيلة ..
وعليها ..
انتصبَ شمعدانٌ نحاسيٌ .. عريقُ الطراز ..
وفي مقابله ..
استلقت شمعةٌ طويلةٌ بيضاء ..
كان منظرًا جميلاً .. غير معتادٍ ..
فقد اعتادت الموائدُ .. حملَ الشمعدان ..
حاضنَ الشموعِ ..
لا تاركها .. ومجافيها ..
ورغم هذا ..
فقد حملت تلك المائدة ..
ذبذباتٍ لكلامٍ .. دارَ فيما بين "شمعدان" .. و"شمعة" ..
فبعد زفرةٍ اختلطت فيها آهاتُ حريقِ صدره .. بصليلِ جسدهِ النحاسي ..
قال "شمعدان" :
ــ أخبريني يا "شمعة" .. أما زال بكِ على هجريَّ .. قوة ؟!
تنهدت "شمعة" وهي تخللُ بأناملٍ ــ بدأت تذوبُ مع مرورِ الزمان ــ رقيقةٍ، فتيلتها المنسدلة على عنقها الطويل؛ قائلةً :
ــ أوه يا "شمعدان" !
أتسألني وأنتَ هاجري ؟!
عشتُ عمرًا طويلاً، أنتظرُ أن أعود إلى مكاني في قلبك .. أنتظرُ أن أصبح وإياك جسدًا واحدًا مدى عمري !
وكنت أنت من يصدني عنك .. رغم كثرتِ حديثك عن حبي ورغبتك في وصلي !
تطلع "شمعدان" إلى سقف الغرفة .. وقال :
ــ ما كنتُ لأهجركِ يا حبيبتي .. بل وكيف أفعل ؟
إنما أنا شغلتُ في الأيام الماضية و ..
قاطعته "شمعة" ساخرةً :
ــ انشغلت ؟ ها ها !!
لا أدري لماذا يكون انشغالك دائمًا .. مع شمعاتٍ غيري ؟!
ولا أدري لماذا لا تلتزمُ مع إحداهن بوصلٍ دائم ؟
انتفض "شمعدان" قبل أن ينحني مع صليلٍ عالٍ يصُمُّ الآذان ..
ثم رفع إحدى قدميه الثقيلتين بيديه معًا، قبل أن يتركها لتسقطَ على سطحِ المائدة، لتعلن هزَّها بدويٍ عالٍ، ليبدأ رحلةَ الاقتراب من "شمعة" .. قبل أن يقول وهو على حالهِ تلك من الحركة :
ــ اغفري يا "شمعةُ" لي .. واصفحي عني .. فإني أريدُ الآن معكِ لقاءًا لا نهاية له !
رفعت "شمعة" عنقها عن سطح المائدة، وقالت وهي تتطلع إليه :
ــ لكأنما قد سمعتُ منك هذه الجملةَ كثيرًا !
لقد قلتها لي بعد كل مرةٍ كنتَ تجرحني فيها .. وتسيء إليَّ .. وتهدرُ كرامتي ..
هل تظن يا "شمعدان" .. أنني سأبقى أنتظرك إلى الأبد ؟!
كلا .. لن أفعل ذلك يا "شمعدان" ..
ربما أن مكاني الحقيقي .. هو في ذلك العرش المُعدِ لي .. على رأسك ..
غير أنه لا قيمة لك مطلقًا .. دون وجودي عليه !
توقف "شمعدان" عن مواصلة رحلته .. ليقول وقد انعقد حاجباهُ غضبًا :
ــ أتريدين تكرار نفس الحديث الذي نتبادله في كل مرة ؟!
عجبًا لكِ يا امرأة !
أمجبرةٌ كل النساء على هذه الكلمات ؟!
يا "شمعة" .. إن لم أرفعك أنا .. فستبقين على هذه المائدة .. لا يراكِ أحد .. ولا ترين أنتِ أحدًا ..
ولربما غبتِ تحت ذراتٍ من رمالٍ تمتلئ بها الأجواء !
ولعلك اختنقتِ من ظلمةٍ لا تجدين دفعها ..
وأنا .. أنا وحدي بعد الله عز وجل .. من يستطيعُ أن يمنع عنك هذه النهاية !
ابتسمت "شمعة" ابتسامةً ساخرةً بطرف فمها .. قبل أن تزحفَ ( متمايعةً ) نحو "شمعدان"، حتى ظهرت تشققاتٍ على أنحاء جسدها .. لتقول :
ــ كعهدي بك يا "شمعدان" .. دائمًا ما تخضعُ لطغيانِ غرورك .. تظن أن لا أحد سواك في الكون !
ألم تعلم .. أن "شمعوم"؛ ذلك الشمعدانُ ذو الإثنى عشر حاملاً، قد أرسل إليَّ برُسلهِ وخاطبيه .. كي أقبل به، لأتنقَّل في حوامله المتعددة أنى شئت ؟
وأنت أيها المغرور .. تقولُ لي ما تقول !!
ألا تذكرُ يا "شمعدان" ..
كم من نداءٍ بذلته لأجلك ؟
كم من إشارةٍ أرسلتها إليك ؟
بل .. ألا تدرك حقيقة مصيرنا المشترك ؟
لا بد أن نكون معًا ..
وإلا فكيف سنواجه الظلام الذي يكتسح عالمنا ؟
يا "شمعدان" .. إن الشمس تدنوا للمغيب ..
ولا أريدُ أن يفصِلَ بيننا الغروب بأسوارٍ من ظلام ..
فالظلامُ إن تسلل بيننا يا "شمعدان" .. فلن يُزاح !
فلن يُزاح "يا شمعدان" ..
بسهولة ..
انتفض "شمعدان" منتبهًا .. وقال وهو يتطلعُ للنافذة :
ــ فعلاً .. إن الشمس في طريقها للغروب .. وأخشى أن يتداركنا الظلام .. وكلٌ منا بعيدٌ عن الآخر .. وحينها .. فلن تنفعكِ فتيلتك الطويلة .. ولن يزيدني حاملي الجميل نورًا !
أمالَ "شمعدان" حامله نحو "شمعة" قائلاً :
ــ والآن يا "شمعة" .. هلاَّ سارعتِ في القدوم نحوي ؟!
لا بد من أن أحملك على رأسي .. على حاملي هذا .. حتى ترتفعي عن المائدة .. لكي تضيئي لنا حينما تُشعلي فتيلتك .. هيا تعالي سريعًا .. هيا .. لنهزم الظلام !!
أردف "شمعدان" حديثه، بأن عاد ليحمل إحدى قدميه، ليرفعها عن سطح المائدة .. في رحلةِ اللقاءِ والوحدة مع "شمعة" ..
رحلة الاستعداد ..
لدفعِ غزو الظلام ..
لا شك أن البطء كان سمة الرحلة ..
وكيف يكون اللقاء سريعًا ..
وقد جاء قاصديِّه، زحفًا من جهة ..
وحملاً لأقدامٍ مشلولةٍ .. من جهةٍ أخرى ..
تنقلٌ بطيء .. واكبه انسحابٌ سريع لبقايا نورِ شمسٍ غاربة ..
واكتساحُ أمواجِ ظلامٍ عالية ..
ومع صليلِ جسده النحاسي، وجد "شمعدان" صعوبةً في حمل أقدامه المشلولة .. ونقلها ..
واحدةً تلو أخرى ..
ومع جسدها الشمعي القابل للتفكك والانتثار، وجدت "شمعةُ" نفسها مقيدةً في زحفها، على سطح مائدةٍ امتلئت بالأواني والملاعق والسكاكين ..
لتُشكل هضابًا أمامها وأوديةً وجبالاً ..
بدأت بقايا النور بالتلاشي .. وأصبحتِ الرؤية أصعب ..
وبدأت الحركة بالتثاقل .. وازداد التباطؤ ..
حتى ..أطبق الظلام ..
صرخت "شمعة" وقد تملكها الرعب والظلام يُحيط بها :
ــ يا "شمعدان" .. أين أنت ؟
لم أعد أرى شيئًا ..
أين أنت يا حبيبي ..
أجاب "شمعدان" بصوتٍ مضطربٍ متوتر :
ــ لا عليكِ يا شمعتي .. إني قادمٌ نحوك .. لا تدعي هذا الظلام يُثير رعبك .. إني قادم ..
وأظن أنه من الأفضل أن تواصلي الزحف نحوي .. دعينا نختصر الوقت يا حبيبتي ..
استمرت الحركة في لوحةٍ لا مثيل لها ..
اختلط فيها الظلام .. بظلالِ الأجسام ..
فشكَّل خلفيةً من سواد ..
لأمل اللقاء ..
ووسط حركتهما .. التي تعالى فيها هديرُ خطواتٍ نحاسية .. مع زحفٍ شمعي .. مع أصوات ارتطامٍ وسقوطٍ .. فتحطم ..
تواصلت رحلةُ البحث .. وما أصعبها من رحلةٍ .. تدور في الظلام ..
حتى لحظة ..
ارتطمت فيها "شمعة" بأقدام "شمعدان" .. والذي قال فرحًا :
ــ أخيرًا .. أخيرًا التقينا يا "شمعة" ..
هيا .. أسرعي .. أريد أن أرفعك إلى عرشك على رأسي .. أريد أن أضعك في الحامل الذي لا يليق بسواك .. حتى تضيئي لنا عالمنا .. هيا ..
انحنى "شمعدان" مادًا يديه، وصليل أضلاعه يسبقه نحو "شمعة"، والأخيرة ترفع عنقها، حتى أمسك "شمعدان" بوسطها ليرفعها نحو حامله، ولا شك أن وزن "شمعة"، وإرهاق "شمعدان" بعد رحلته السابقة، قد صعَّب من رفع "شمعة" .. بل منع "شمعدان" من الاحتفاظ بها بين يديه ..
لتسقط "شمعة" صارخةً ..
لتسقط مضعضعة الجسد على سطح المائدة ..
ليقول "شمعدان" جزعًا :
ــ أعتذر .. لم أقصد .. أتمنى أنني لم أؤذيك .. سأرفعك مجددًا ..
رجع "شمعدان" ليحمل "شمعة"، وليبدأ في رفعها، حتى إذا ما وصلت "شمعة" إلى الحامل .. قالت وهي تحاول حشر أقدامها فيه :
ــ يا "شمعدان" .. يبدو أن حاملك أصغرُ من أن يحتويني .. ما العمل ؟
رد "شمعدان" وقد تزايد العرق على جبينه جراء جهده في رفع "شمعة" :
ــ يا "شمعة" .. حاولي أن تدخلي جسدك بأي شكلٍ داخل الحامل .. لا وقت لدينا .. أسرعي ..
عادت "شمعة" للمحاولة، دون جدوى .. قبل أن يتفتق ذهنها عن فكرة ..
لتضع أقدامها في زاويةٍ حادةٍ من جسد "شمعدان" النحاسي، لتبرُد أطراف قدميها مع صرخةٍ عاليةٍ شقت الآفاق ..
انتفض "شمعدان" وأجزاءٌ من جسد "شمعة" ترتطم به .. وقال مرعوبًا :
ــ ما بكِ يا "شمعة" .. ماذا فعلتِ أيتها المجنونة ؟!
قالت "شمعة" ودموعها الشمعيةُ تنسابُ على وجنتيها :
ــ لن أسمح لشيءٍ أن يقف في طريقنا .. لا بد أن نكون جسدًا واحدًا .. للأبد .. لا بد ..
استمرت دموع "شمعة" في الانسكاب ثم التجمد، قبل أن تردف وهي تحاول الوقوف :
ــ سأقف الآن .. لا بد أن نهزم الظلام ..
وقفت "شمعة" وهي تشد فتيلتها للأعلى، وتُحسن الالتحام بـ"شمعدان"، لتكتمل الصورة ..
صورة .. "شمعةٍ" .. و"شمعدانٍ" .. وظلام ..
قالت "شمعة" بصوتٍ خافتٍ من بين آهاتِ الألم وأناتِ العناء :
ــ حمدًا لله يا "شمعدان" .. ها أنا قد وصلتُ .. وأنتظر أن تمد يدك لتشعل فتيلتي .. لينتهي كل هذا الظلام من حولنا ..
قال "شمعدان" سريعًا :
ــ شكرًا لك يا "شمعة" على ما قمتِ به لإزاحة الظلام .. لكن ..
كيف أشعل فتيلتك ؟؟
ألا تستطيعين أن تشعليها بنفسك ؟
قالت "شمعة" مضطربةً :
ــ كلا .. لا أستطيع .. ألا يمكنك أنت ؟
رد "شمعدان" وهو ينتفض جزعًا متحركًا حول نفسه بقوة، وصليل أطرافه يتعالى :
ــ كلا لا يمكنني أنا أيضًا .. لا بد من أن ..
لا بد من أن تضم وحدتنا لتؤتي نتاجها ..
ذلك الصغير ..
أعني ..
أعني "عود الثقاب" ..
ولا يوجد معنا يا "شمعة" على سطح هذه المائدة .. عودًا واحدًا ..
نردُ به الظلام !
( تمت بحمد الله ) .
"إبراهيم النشمي" .. "الرياض" ..
يوم الجمعة
23/11/1429 هجرية، الموافق 21/11/2008 ميلادية .